السيد كمال الحيدري
271
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
وقال القسطلاني بعد ذهابه إلى أن الذين دعاهم عمّار هم ( الفئة الباغية ، وهم أصحاب معاوية الذين قتلوه في وقعة صفّين ) ونقله رأي ابن بطّال المتقدّم : ( والأوّل هو ظاهر السياق ، لاسيمّا مع قوله : « تقتله الفئة الباغية » . ولا يصحّ أن يقال : إنّ مراده الخوارج الذين بعث عليٌّ عمّاراً يدعوهم إلى الجماعة ؛ لأن الخوارج إنّما خرجوا على عليٍّ بعد قتل عمّار بلا خلاف ، فإن ابتداء أمر الخوارج كان عقب التحكيم ، وكان عقب انتهاء القتال بصفّين ، وكان قتل عمّار قبل ذلك قطعاً ، لكن ابن بطّال تأدّب حيث لم يتعرّض لذكر صفّين إبعاداً لأهلها عن نسبة البغي إليهم . وفيما تقدّم من الاعتذار عنهم بكونهم مجتهدين ، والمجتهد إذا أخطأ له أجر ، ما يكفي عن هذا التأويل البعيد ) « 1 » . وهكذا يتّضح أن موقف ابن حنبل الداعي إلى السكوت « الأسلم » انتهى عند ابن بطّال والمهلّب إلى امتناع وابتعاد عن نسبة البغي إلى أهل صفّين ، وهو ما فسَّره الشرّاح بكونه « أدباً » مع اعترافهم أن المقصود بالحديث النبويّ هم فئة معاوية وأصحابه ، وهذه مفارقة غريبة وعجيبة أن ينسب الأدب إلى ابن بطّال في امتناعه ويتناسى موقف صاحب الحديث ( ص ) الذي صرَّح بنسبة البغي إليهم . فرسول الله ( ص ) يقول : هؤلاء فئة باغية ، والشرّاح للحديث يقولون : الأسلم هو السكوت عن هذا الوصف ، والتأدّب بالابتعاد عن نسبة البغي إليهم ! ! الموقف الثاني : لقد نقلنا فيما سبق عن مصادر عديدة محاولة معاوية للدفاع عن نفسه في نفي « البغي » بإلقائه مسؤولية مقتل عمّار على من أخرجه معه ( أي الإمام علي ( ع ) ) وليس من باشر قتله . وتبيّن أنّ نسبة هذه المحاولة لمعاوية مما لا مجال للشكّ فيها . ومع أنّها كذلك ، إلا أن القرطبي الذي رأيناه
--> ( 1 ) القسطلاني ، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري ، مصدر سابق : ج 5 ، ص 50 .